Yahoo!

الفلسفة والدين عند الشيخ جرادي - قراءة نقدية لكتاب المقاربات المنهجية

كتبها سرمد المغربي ، في 24 نوفمبر 2007 الساعة: 21:11 م

 
اعداد: عبد العالي العبدوني  
التفكير في تأليف كتاب " مقاربات منهجية في فلسفة الدين " ومن شيخ معمم يشكل تحديا مركبا، تحدي للمنظور الإسلامي التقليدي الواقف تحت عباءة العلامة الحلي والخواجة نصير الدين الطوسي، منهجا ومضمونا، وتحدي لفلاسفة الدين الذين كانوا يظنون وإلى عهد قريب أنهم مانعتهم حصونهم، من النقض التأسيسي الداخلي للكثير من مبانيهم. فالكتاب يشكل بالفعل تحديا مركبا وكبيرا في نفس الآن، لكن السؤال الذي يظل مطروحا هل حقا حقق الشيخ جرادي بعضا مما وعدنا به " من محاولة لفهم الدين بآليات محددة تحمل طموحا منهجيا لاختبار ذاتها من أجل تطوير فعالياتها وطاقاتها على مقاربة الفهم الديني " ( 1 ) معملين قراءة نقدية هادئة لمجمل ما كتب، وواضعين إياها تحت عناوين كبرى:
 
السؤال المنهجي:
 
الملاحظ أن الشيخ جرادي قد أعطى لهذا السؤال حيزا كبيرا في البحث، مما جعله يخصص تمهيدا مطولا للكتاب يناقش فيه هذه الجنبة من الموضوع، يقينا منه بأن المقاربة المنهجية التي أرادها هي مشذرة في مجموع الدراسات التي يتكون منها الكتاب، وقد يصعب على القارئ أن يتبين المنهجية المعتمدة في مجمل البحوث لذلك نجده أفرد لها صفحات من كتابه لهذا الغرض بالذات، أي توضيح الرؤية وتشكيل البوصلة الهادية إلى قراءة أكثر فهما واستيعابا لمنظور سماحة الشيخ في الأبحاث الفلسفية الدينية المتنوعة من فلسفة دين والسؤال الإسلامي إلى تعقلن الإيمان فجدليات العقل المتعالي وأزمة العلمنة والدين إلى إشراقات السهروردي برؤية نسقية أكبر فلغة الدين.  
 
لذلك نكون، وعلى نفس السياق واحتراما لنية الباحث، مركزين على التمهيد لمعرفة المنهج العلمي الذي ارتضاه الشيخ لمقاربة الإشكاليات الدينية الكبرى، على أن نتعقب مصاديقها في أغلب البحوث بوصفها فنارات كلية لمنظور الشيخ في الإشكالات الدينية، مسائلين الفكرة والتطبيق.
 
بعد أن أوضح الشيخ معاني المناهج والتي عددها في ثلاث:
 
- المستوى المتعلق بالآليات والأساليب.
 
- المستوى المتعلق بمنطق التفكير.
 
- المستوى المتعلق بمعرفية المنهج.
 
صرح بأن المقصود عنده بالمنهج المعنيين الأخيرين أي المنهج بما هو منطق تفكير، " والذي يتعين فيه التركيز على القواعد المعتمدة في منطلقات البحث، وضوابطه التي ينبغي أن تحكم سيره وخطواته"( 2 ) والمنهج بما هو إبيستيمولوجيا تتقوم بست مستويات هويتية: فهو قانون فلسفي ناظم، وهو منطق تقنيني للفكر، وهو جملة من القوانين المولدة للمفاهيم، وهو باحث عن اكتشاف النسق المعياري لمحاكمة المفاهيم، وهو إمكانية من أجل تطبيق المفاهيم والقواعد والأنساق على الحقول المختلفة، وفي الأخير أنها تمثل الإطار المرجعي – المعرفي ( 3 ).
 
الملاحظ بهذا الخصوص أن سماحة الشيخ يحاول من خلال هذا البنيان المنهجي أن يعيد تأسيس النظر إلى مجموعة من الإشكاليات الدينية على أساس مساءلة قلب التصورات ومستندها، فهي محاولة لإجراء قراءة نقدية لأسس التصورات الفكرية وليس لثمراتها، وهي ملاحظة تظل سليمة إلى أقصى الحدود لأن الزمن المعرفي الذي نعيش فيه لم يعد يقبل الجدال العقيم والتهديم المحض بدون محاولة لتصويب النظرة، ولعلنا لا نجازف إذا قلنا بأن سماحة الشيخ بهذا الهاجس يكون ديريديا بامتياز لأنه يعمد إلى التفكيك من أجل إعادة البناء، بغض النظر على أنه هل نحج في ذلك أم لا.
 
كما أن أهمية هذا التصور تجعل من سماحة الشيخ يستطيع التغلب على معضلة الارتداد الخفي، ونقصد بهذه المعضلة هو نقض فكرة ما على أساس فسادها بالوقوف على نفس المقدمات والحال أن الفساد فساد مقدمات لا الثمرة.
 
فمثلا عندما نقف أمام تصور التكفير والتفسيق اللذان ينهكان العقل الإسلامي ويجعلانه يراوح مكانه، فإنه لا يمكن الانطلاق من نفس الأرضية التصورية وإلا كان نقاشنا أزمويا يهم التشخيص لا الفكرة، فهذا ارتداد خفي لأنه لا يلغي الإشكالية داخل الفكر الإسلامي بقدر ما يعيد إنشاء قنوات سريعا ما يعاد نسفها من الأساس. فإذا كان السلام متحقق في المتبع للهدى أو لا يكون أشمل للمسلمين كافة، ربما مناقشة هذا الموضوع عل أساس عرفاني أو فلسفي أو حكمي يكون أنجع من تعقبه فقهيا أو حتى نصيا، لأنه ضمانة قوية لتجنب الارتداد الخفي، وهو نفس ما يريده المؤلف بالرؤية التكاملية للدين الإسلامي أي مقاربة الموضوعة بشكل إسلامي كلي. وعليه تظل مساءلة الإشكالات الدينية الكبرى وفق النهج النسقي التقنيني الداخلي منهجية كبرى ومهمة ولم لا شرسة في مقاربات الموضوعات الدينية.. وأن يأتي هذا النهج من تحت عباءة عالم دين فهذه ميزة إضافية تجعلنا نقف احتراما للمؤلف.
 
فما سنحاول تعقبه في مجمل قراءتنا لبعض مواضيع الكتاب هو تلك المقاربة النسقية للإشكالية الدينية موضوع البحث، ونرى مصاديق تطبيقها من عدمه.  
 
سـؤال الإيمـان:
 
في البحث المعنون ب " الإيمان بين الشك واليقين " نجد الشيخ جرادي عمل على تأصيل مفهومي الاعتقاد والإيمان لغة واصطلاحا ليخلص إلى مجموعة خلاصات هي:
 
أولا: ضرورة التمييز بين الاعتقاد والإيمان كحالة نفسية وبين العقيدة ومتعلقات الإيمان اللتين هما واقع مستقل عن حالة النفس، وفيهما ما استقلاله حقيقي لأن مصدره غير النفس الإنسانية. وهي الأصول الاعتقادية الإلهية المصدر، وفيهما ما استقلاله بمعنى تميزه عن النزوع النفساني وإن كان وليد النفس. والفارق بين النحوين أن الأول لا تمتلك النفس الحق ولا القدرة عن إجراء التحويل والتبديل فيه، لأن ملاك حصوله وتحققه خارج قدرتها وتولداتها بعكس النحو الثاني، الذي يخضع بالأصل والأساس إلى حركة النفس وتحولاتها المعرفية.
 
فهناك " عقائد، داخل – نفسي " و" عقائد، خارج – نفسي " ففيما يخص الصنف الثاني فهو ما يسميه ( ضروريات الدين ) والتي أقصى ما يمكن للإنسان أن يتدخل بشأنها هو محاولة فهمها أما المستوى الأول " الداخـل – نفسي " فهي معتقدات واعتقادات إما منبعها الاحتياجات النفسية أو التفسيرات والتأويلات للضروريات الدينية، وهذا الصنف الثاني هو ما يصح القول فيه بوجوب تلازمه مع الشك، والتحسس الدائم من أجل التكامل مع الحقيقة التي تعبر عنها ضروريات الدين، وعنوان هذا الشك وهدفه هو " النقد التكاملي للإيمان الديني " والذي يتبلور بثلاثة مستويات:
 
المستـوى الأول: النقد المتعلق بالآليات ومرجعيات الفهم والتفسير.
 
المستوى الثاني: التفحص النقدي لجملة التفاسير.
 
المستوى الثالث: التفحص النقدي لما كنا نتبناه قبل الاستفهام، ومدى كونه لا يتعارض مع الأوليات العقلية.
 
ثانيـا، عند الحديث عن الإيمان الديني تترتب عندنا أجزاء مفهومية ثلاثة: نفس مدرِكة، وموضوع مدرَك، ونسبة التعلق بين النفس والموضوع. وأن الوجود المجرد للحقائق العقائدية الدينية يساعد على تكوين معرفة لها سمة من الثبات والتطابق الواحد. وهي تقوم على القضية الخبرية والقضية الخبرية تعني معرفيا، إنها قضية تصديقية وليست تصورية لتوفر النسبة بين موضوعها ومحمولها. وما كان كذلك صح في حقه الحكم بالتطابق مع الواقع، أو عدم تطابقه، وصح أن نتحدث عن نسبة صدقه إن كانت وهمية أو ظنية أو يقينية. ولو مع اختلاف في مسلكيات البرهان والإستدلال.
 
ثالثـا، أنه وقع خلط بين النسبية والنزعة التشكيكية، والحال أن النسبية هي مقابل للإطلاق، لأن المتحصنين بمبدأ النسبية لتقويض اليقين، هم بالواقع يتحصنون بالنسبية بنزعتها التشكيكية، إذ اليقين ينقسم إلى ثلاثة أقسام ومعان هي:
 
1 – اليقين المنطقي والرياضي، الذي يتركب من مقدمتين أولها العلم بقضية معينة وثانيها العلم بأن من المستحيل أن لا تكون القضية بالشكل الذي علم.
 
2 – اليقين الذاتي: وهو جزم بشكل لا يوجد فيه أي شك دون أن يستبطن استحالة للوضع المعلوم.
 
3 – اليقين الموضوعي: وهو يعني وجود قضية وموضوع تعلق به التصديق، وإذا وصل هذا التصديق المتعلق بالموضوع إلى درجة الجزم سمي يقينا. ولهذا فاليقين الموضوعي تارة تنظر إليه من جهة التطابق مع الواقع أو عدم التطابق معه. وأخرى تنظر إليه من جهة درجة التصديق التي نمتلكها كحالة عند النفس.
 
وهذه المبررات الموضوعية إما أن تعتمد على مقدمات متسالم عليها بشكل مسبق، أو أوليات مسلمة بشكل مباشر. 
 
وهكذا فإن اليقينية لا تتنافى مع النسبية، ولا النسبية تتنافى مع وجود واقع موضوعي ومتسالمات مسبقة.
 
الواقع أن هذا البحث الذي وضع بين يدينا يجدد الطرح العلمي للبعد الإيماني وأساسه العقلاني من عدمه، كما يشكل ردا منطقيا على النزعة التشكيكية، وهو بطبعه يستثير العقل المسلم لإعادة تأسيس معتقداته على أساس علمي صارم يفض الإشكاليات المعرفية، كما أن لفت الإنتباه لوجود عقائد داخل نفسية وعقائد خارج نفسية، جاعلا من الأولى موضوع المطارحة العلمية والمساءلة لأنها في الأصل ثمرة تولدات نفسية. يشكل جهدا علميا مشكورا وإشارة جد ذكية قد تخلص الأمة من العقلية التكفيرية الرازحة على المجتمع العربي.
 
لكنها وكأي طرح عقلاني متصف بالجدة والجدية، تجعل الكثير من الأسئلة تتناسل، وربما الجواب عنها سيجعلها أكثر متانة في المستقبل.
 
فالشيخ شفيق جرادي مشكورا أوضح بأن ضروريات الدين هي عين العقائد الخارج نفسية، وأن العقل الإنساني ليس له القدرة على ردها أو تحويرها بل أقصى ما يمكنه فعله هو محاولة فهمها.
 
إلا أن المعضلة تتجلى في تحديد " ضروريات الدين " أولا، وهل تحديدها يتم بإعمال عقلي أو نقلي ؟ وإن كان نقليا، فكيف يتم استنطاق النصـوص الدينية ؟ وهل الاستنطاق يظل ألسنيا بحتا أم له مدخلية عقلية ؟ طبعا تكثر هكذا أسئلة يجر بالضرورة إلى تكثر الأجوبة بخصوص الموضوع، مما يجعل الإجماع بخصوص " ضروريات الدين " مسألة فيها نظر.
 
إذ أن النفس يظل لها، وعلى مستوى التصديق، تحديد ضروريات الدين مما يشكل نسفا لمقدمة الشيخ.
 
وحتى نعضد وجهة نظرنا نود التركيز على موضوع الإمامة: فهي بإجماع المذهب الجعفري من ضروريات الدين إذ بدون الاعتقاد بها يتهاتر الإيمان مع بقاء الإسلام، بخلاف أتباع مدرسة الخلافة الذين ينكرونها من الأصل على الأقل في جنبتها التكوينية. فهذا يخص نكران ضروري من الدين على الأقل عند شريحة إسلامية معينة.
 
فبالرجوع إلى مجموع الروايات في هذا الباب سوف نستطيع أن نجري قراءة مؤسسة لمنظور سماحة الشيخ ومواطن الضعف فيه. فعن الإمام الرضا عليه السلام: " إن الإمامة أس الإسلام النامي وفرعه السامي " وفي رواية أخرى عن الباقر عليه السلام: " بني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم ينادى بشيء كما نودي بالولاية " ( 4 ) كما أنه في رواية أخرى عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام تؤكد هذه الحقيقة فعن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء قال: حدثنا محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: قال لي أبو جعفر ( ع ): إنما يعبد الله من يعرف الله، أما من لا يعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالا قلت: جعلت فداك فما معرفة الله ؟ قال: تصديق الله عز وجـل، وتصديـق رسولـه ( ص )، وموالاة علي ( ع ) والائتمام به وبأئمة الهدى ( ع ) والبراءة إلى الله عز وجل من عدوهم، هكذا يعرف الله عز وجل. " ( 5 ) فالظاهر من هذه الروايات محورية الإمامة بوصفها من ضروريات الدين ولا يمكن أن يستساغ إنكارها، وإلا حدث تصدع في الكلية العقدية.
 
صراحة لنا أن نجاري الباحث في أن ثمة أزمة فكرية جعلت الكثير من الواضحات تضحي من غوامض الأمور، لذلك يقع تساهل مع المنكرين للإمامة جهلا لا جحودا. لكن موطن الإشكال في هذا البحث ليس في أن الإمامة من ضروريات الدين أم لا. بل الإشكال يتجلى فقط في معرفة أثر النفس على مجمل المعتقدات.
 
فهل هذه الضرورة الدينية والتي لها وجود خارجي مجرد، مجمع عليها داخل ديانة واحدة ؟ بالأحرى بين يدي مجموع الأديان السماوية ؟ طبعا الجواب لا، وهذا راجع للأساسيات الفكرية والعقدية المعتمدة، فالمقدمات العقدية الداخل نفسية هي التي تقرر إن خطأ أو صوابا ضرورة من ضروريات الدين على أنها كذلك، وطبعا نحن هنا لسنا بصدد تصويب سلامة المدخلية النفسية في الشأن الديني الضروري، لكننا نجري توصيفا للحال الواقع وحسب. 
 
نفس الملاحظة تنجر ليس فقط في أصل تحديد ضروريات الدين، بل أيضا تفاصيله، وهي مسألة لها أهميتها القصوى، ولنأخذ مثلا آخر يتعلق بالخالق جل وعلا، فالاعتقاد به من ضروريات الدين لكن هل الاعتقاد بصفاته وأفعاله يدخل في الضروريات أم لا ؟ الأكيد أنه من ضروريات الدين وهذا ما لا خلاف عليه، إلا أن المشهود هو وقوع اختلافات جد خطيرة تصل حد النقيض بين المذاهب الإسلامية بالأحرى فيما يخص أتباع باقي الديانات.
 
صراحة الموضوع جد شائك، ليس فقط فيما يخص كيفية تحديد ضروريات الدين بل أيضا في تفاصيل هذه الضروريات. 
 
فموضوع الاعتقاد موجود خارجي مستقل عن النفس البشرية، إلا أن عملية التعامل معه تؤدي بالضرورة إلى تكثر الرؤى، ليس من جهة فهمه كما ينوه إلى ذلك الشيخ لكن من جهة إنكاره وإثباته. وإلا ما انقلب التوحيد تثليثا وكثرة عند الكثير من المذاهب الدينية.
 
وعليه نعتقد بأن الإثنينية غير متحققة عقلا، فمجمل العقائد داخل نفسية، تتصرف فيها بالشكل الذي تعتقده سليما، هذا دون أن ننكر بأن أصل المعتقد له وجود فطري مقذوف في قلب الإنسان، يظل كامنا إن لم نحرره من ثقل الرغبات والشهوات.
 
هذا من جهة تعذر القول بخلاصة الشيخ، أما من جهة ثانية فإن مجمل الطرح لا يدخل في إطار ما يصطلح عليه بفلسفة الدين، بل هو طرح كلامي متماسك يعتمد الجانب النقلي في الموضوع أساسا ثم يطفق للتدليل عليه بالآلية العقلية تصديقا له، وهو طرح يناقض أصل التفكير الفلسفي الديني. حيث القول الفصل للعقل. وربما هو من هذه الناحية لم يكن مصيبا في رده على توجه الأستاذ مصطفى ملكيان الذي يصرح بأن " المعتقدات الدينية غير ممكنة الإثبات، وطبعا لا يمكن إثبات نقيضها أيضا، المعتقدات الدينية لا تقبل الإثبات العقلاني، ولا الدحض العقلاني "، لأن أساس المعتقد هو النص الديني المقدس والعقل لا يحاول إلا أن يكشف بعض الملاكات وتظل الكثيرة منها غائبة عنه، ولا أدل على ما طرحناه أن الكثير من المفكرين الإسلاميين اختاروا التذوق والكشف للوصول إلى اليقين الديني، وهو نفس ما أشار إليه سماحة الشيخ. فالعقل يلعب دور العاضد لاكتشاف البعد الوجودي للإنسان دون أن تكون له مدخلية في تأسيس العقيدة على مستوى برهاني قطعي. لأن العقل نفسه يتدثر بالطابع التعبدي أمام بعض الأحكام الشرعية.
 
فكلام الأستاذ ملكيان هم جنبة التطابق مع الواقع، لأنه سبق أن أوضح بهذا الخصوص على أنه إن كانت العقلانية النظرية بمعنى الحمل على الاتساق، فإن العقائد الدينية والتي تتمتع بالانسجام الداخلي تكون عقلانية بهذا اللحاظ، لكن الإشكال يتجلى في " إثبات تطابق تلك المنظومة مع الواقع إثباتا عقليا " ( 6 )، فالانسجام الداخلي شرط لازم للتطابق مع الواقع، لكنه ليس شرطا كافيا بحال من الأحوال.
 
وهنا رأس الإشكال الذي يثيره ويتمسك به الأستاذ ملكيان وهو أن النهج العقلي قد يؤدي إلى تحقيق اليقين الذاتي أو حتى اليقين الموضوعي الذي يهم درجة التصديق التي تتحقق في النفس، لكن الجانب التطابقي مع الواقع فهو مستحيل عنده.
 
وأن سماحة الشيخ لم يتفضل بدحض هذا القول أو إثبات تحقق اليقين الموضوعي بالمطابقة مع الواقع، بل بالعكس نجده ومباشرة بعد تعداد اليقينيات الثلاث ينتقل للإشارة إلى أعمال الشهيد السعيد محمد باقر الصدر ودورها في إنشاء طرقية جديدة لتكوين يقين المؤمن بعقائده. والحال أن منهج الشهيد السعيد يهم اليقين الذاتي واليقين الموضوعي المؤدي إلى التصديق المتحقق على مستوى النفس وليس اليقين الموضوعي بجنبته التطابقية مع الواقع في المسألة، ذلك أنه وبعد تفتت اليقين الأرسطي وفقده مصداقية لوجوده، طفق العلامة الصدر على تأسيس منهجية جديدة تبنى على الاستقراء وتكوين القناعة الشبه الجزمية على الأقل على المستوى العقلي، ففي هذا الإتجاه يأتي مشروع الشهيد السعيد محمد باقر الصدر لكي يذب عن حريم الدين من خلال حساب الاحتمالات، مع خلوصه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الحل الوجودي للدين

كتبها سرمد المغربي ، في 25 أغسطس 2008 الساعة: 09:54 ص

انقلاب المعبد - لعبد الرزاق الجبران .
إعداد :د ـ مولاي احمد صابر(1)

أخذ جدل الدين والانسان حيزا كبيرا في الموروث الثقافي الانساني، فكثيرا ما يسود الإستبداد والظلم والاستغلال باسم الدين، كما هو الامر مع فرعون وغيره من الطغاة والمتسلطين ، فبين الفينة والاخرى يبعث أنبياء و مصلحين يقلبون مفهوم الدين رأسا على عقب ، و يصير هذا الاخير في خدمة الانسان بشكل عام بدل خدمة السلطان، كما هو الامر مع نبي الله موسى وعيسى ، و محمد و من سار على نهجهم، كأبو ذر الغفاري و غيره .

الفكرالديني الاسلامي هو الاخر لم يسلم من داء السلطة والتسلط ، فهو اليوم أكثر من أي وقت مضى يعرف اختلالات عميقة في صلة الانسان بوجوده ، و بمحيطه و بالخالق . إنها أزمة الركود و اللاموقف واللامعنى، وليس هناك عقل على الاطلاق حظي بالدراسة والتحليل أكثر ما حظي بها العقل العربي الاسلامي ، بدءا بكتاب نقد العقل العربي لمحمد عابد الجابري ، ومفهوم العقل لعبد الله العروي، وفي نقد العقل الاسلامي لمحمد أركون، والعمل الديني وتجديد العقل لطه عبد الرحمن و اغتيال العقل لبرهان غليون و ازمة العقل المسلم لعبد الحميد أبو سليمان و اعمال العقل لؤي الصافي ، وغير ذلك من الدراسات و الابحاث الجادة التي بحثث و تبحث في أغوار هذا العقل المازوم ، الذي شكل النص الديني محورا أساسيا في بلورته و تشكيله .

فعلى خطى أبو ذر الغفاري ، و بنفس كل من كيركجارد و علي شريعتي ، وبقالب يطغى عليه نوع من اليقظة العلمية المعرفية، يجسد عبد الرزاق الجبران أزمة العقل المسلم في أزمة وجود، هذه الأزمة المختنقة صار الدين فيها مهيمنا على كل مناحي حياة الانسان، فرجال الدين لم يتركوا صغيرة و لا كبيرة إلا و أفتوا فيها برأي. قد أقحم المعبد نفسه بكل شيء ، لم يترك شاردة أو واردة إلا و حاول ان يغلفها بالدين … دخل على شكل اللحية و طولها ، على اللباس ، على الحمام ، على ليلة العرس و كل زواياها ، على الالعاب البريئة للاطفال ، على الأذواق على المسرح على السنيما ، على الموسيقى، الرسم ، كرة القدم ، طريقة النوم ، ناهيك عما كان من فتاوي، في أول القرن الماضي مع مجيئ التقنية الحديثة و تحريم الهاتف ، القطار ، التلفاز ، تعلم اللغة الإنجليزةص53. و بهذا الشكل فقد الانسالن وجوده و كيانه الباني للمعنى والمأسس للمواقف، وفي نظر الجبران أن الدين لم يأتي إلا من أجل أن يهب الإنسان وجوده الخاص به، فالنسخ الدينية اليوم لم تعد تصنع الانسان .. بل غدت منظومة تسلب منه وجوده و تخرص فيه إنسانيته ص29. ورغم أن الدين هو السبب في المشكلة، فالجبران لا ييأس في أن الحل سينبثق من الدين نفسه ، و يكرر مقتنعا مقولة أن الدين هو الحل ص13 ، رغم إمتعاظه من هذا الشعار لنسبه الاسلاموي السلفي، و ينظر الكاتب للكثير من الفلسفات بأنها تسلب من الانسان إنسانيته، بإسم العقل والعقلانية وأي عقلانية هذه التي يصبح معها الانسان شيئا آخر ؟

و قصد الخروج من هذه الازمة يقترح الكاتب الحل الوجودي للدين ، و هذا الحل في نظره لا يريد إالحاق الدين بالوجودية ، بقدر ما يريد أن يجعل من الدين وجودا إنسانيا، لذا الوجودية التي ـ يسعى ـ إليها ليست ذلك المذهب الديني في خط كيركجارد، وإنما مزيج من الثقافات و الاتجاهات و التجارب، و كلمات دينية و أخلاقية و جمالية و صوفية و فلسفية و أدبية على طول التاريخ، أنتجت معنى إنسانيا وجوديا حياتيا ـ غلاف الكتاب ـ. و هذا الحل في نظر الكاتب لا يتحقق إلا بانقلاب المعبد، وهو العنوان الذي عنون به كتابه الحل الوجودي للدين إنقلاب المعبد . الكتاب من إصدار دار الانتشار العربي، الطبعة الاولى 2007 من الحجم الكبير ، من 280 صفحة .

أين يتجلى المشكل المشكلة؟.

في هذا العالم ، أحيانا لا تدخل على الحياة إلا بالخروج عليها .. و لن تصلي حتى تترك الجماعة .. و لا تومن بالله حتى تكفر بالمعبد الذي يرفع اسمه.. و لن تعانق الحكمة حتى تتخلى عن كتب فلاسفتها . ص13.

بهذه العبارة المختصرة يجسد الكاتب أصل المشكلة ويحدد الحل في الوقت ذاته، فالمشكلة هي مع الدين في عين تطبيقه الفقهي و الكلامي ص 30. هذا التطبيق فصل الدين عن الواقع، بل سلب منه طعم الحياة، وغدى الدين أمرا غير واقعيا فبدل أن يرفع الدين عبء الحياة عن الانسان أصبح بذاته عبئا ، بعد أن حول الى قناة تستهلك الانسان في عقله وحبه وماله واحلامه و رغباته ص 30، وليس القصد من الواقع هنا أن الدين جاء ليتماهى مع انحرافات الواقع و سلبياته و حماقاته التي تبحث عن المعنى في فضاء اللامعنى ،أو تبحث عن العمق على سطح ورقة، بل المقصو أن يكون الدين واقعا ، لا غريبا عن حياة الانسان ووجوده، حينها يستطيع أن يعيش مع طبيعة الانسان بسلام و نجاح . ناهيك على أن يصيِّر وجوده ، ويجعل منه وجودا حقيقيا ، مؤثرا مبدعا ، ذا معنى .. يعينه على حل إشكالياته و معاناته الطبيعية الوجودية.. ص 30، و بهذا فالدين لم ياتي مستبدا و متسلطا باسم الله على الانسان ووجوده ، فالدين والذات المتدينة هي المنسجمة مع الوجود وليس العكس ، فالناس اليوم ، الاسلاميون خاصة و رجال الدين منهم ، و من صار على نهجهم ذهبوا ضحية ثرثرة الكتب وركام المؤلفات، فهم لا ينظرون الى الدين والانسان بما كتب لهم عن جبرائيل و إنما بما كتبوا هم عن جبرائيل …و ليس بما قرأ القران عليهم و لكن بما قرأوه عن القران ص 29، فمن الطبيع بما كان أن يحصروا مشكلة الناس، قي عدم تطبيق الدين في الحياة، و الدين هنا في نظرهم، هو ثرثرة مؤلفات الفقهاء ، و أهل الكلام وغيرهم ممن يدورون في مدارات الطائفية و المذهبية ،أليس هذا ما تدعوا له الحركات الاسلامية والأصولية اليوم متدرعة بالتجديد ؟ ، أما ان يكون الدين مؤسسا و باعثا لمعاني ومواقف جديدة في حياة الانسان فهذا أمر مرفوض، و بهذا الفهم فالدين ما هو إلا قطعة مفصولة عن الحاضر و المستقبل ، و تصير الاتجاهات الدينية ببنيتها بتعبير أدونيس لا تخدم الدين إيمانا ، و لا تخدمه إجتماعيا ..إنها وظائف لشيء آخر ، إنها آلات ص 29، و الآلة هنا هي شيء حسي فقط، فاقد للوجود و يستحيل معه المعنى، فلا يجدي نفعا ترديد ان الاسلام معنا بخير، وأن محطته فينا هي قدر الحقيقة و نهرها الوحيد ص29، لأن أنهار الاسلام وجداويله لا تنتهي و لا تنقضي، فهي تتجدد في أجزائها و زوياها كما تجدد أشعة الشمس كل صباح ، فالحق واحد ولكن الطريق إليه متعدد.

إ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

علم الكلام الجديد وحاجة علماء الدين إليه

كتبها سرمد المغربي ، في 2 أغسطس 2008 الساعة: 12:19 م


عندما يتصفح الدارس المتمعن تاريخ الفكر الإسلامي في قرونه الذهبية الأولى يخلص بنتيجة، مفادها أن المسلمين الأوائل عندما تشبعوا بقيم دينهم الحنيف دفعوا دفعاً إلى الانفتاح على ثقافات عصرهم، التي كانت في عمومها ثقافة مناقضة لما يعتقدون، غير آبهين بما قد يتسرب إلى عقولهم منها، ما داموا قد ركزوا إلى ركن شديد من العقيدة الصافية والتفكير السليم، فنظروا إلى آيات الله في الاختلاف نظر المؤمن الواثق المتفكر، الذي لا يخاف من أي فكرة ما دام عقله قد تشبع بقيم الشجاعة العلمية، ونفسه قد هدأت حيرتها.

وما كان المسلمون الأوائل أن ينفروا مما يعد في دينهم كفراً بواحاً وضلالاً مبيناً فيحاربوه، بل احتضنوا كل ما طاولته أيديهم من فكر إنساني، من دون أن يكرهوا أهله على تبديله أو أن يتبدلوا، وتعاونوا مع أساطينه كيما ينقلوه من لغاته الأصلية إلى اللغة العربية، مستفيدين مما لدى هؤلاء من مؤهلات لغوية وثقافية واسعة.

يقول الأستاذ أحمد أمين مصوراً هذا التمازج الثقافي البديع إبان خصوبة الحياة العقلية للمسلمين: «هذه الثقافات التي ذكرنا من فارسية وهندية، ويونانية وعربية، ومن يهودية ونصرانية وإسلام، التقت كلها في العراق في عصرنا الذي نؤرخه. ولكن كل ثقافة في أول أمرها كانت تشق لنفسها جدولاً خاصاً بها يمتاز بلونه وطعمه، ثم لم يلبث إلا قليلاً حتى تلاقت، وكونت نهراً عظيماً تصب فيه جداول مختلفة الألوان والطعوم، مختلفة العناصر».

من تلك العلوم التي تفتقت عليها العقلية الإسلامية علم ارتبط بصميم عقيدة المسلمين، ونشأ وتطور على تخومها، وكانت فيه لأهله صولات وجولات، ومعارك طاحنة بين أعلامه، وبين مباحثه أينعت معظم آراء الفرق الإسلامية التي شكلت آنذاك ولا تزال إلى الآن تشكل فسيفساء الحضارة الإسلامية، وأعني بهذا العلم «علم الكلام».

عرّف ابن خلدون هذا العلم بقوله: «هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية، بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادت عن مذاهب السلف وأهل السنة». ولا أدري سبب تخصيص مذهب أهل السنة بالمعيارية في الحجاج والجدل من دون سواهم، رغم أن المعتزلة الأوائل كانوا في الصف الأول في الدفاع عن العقيدة الإسلامية ضد الفلسفة الإغريقية. وتعريف ابن خلدون علم الكلام مقبول شريطة أن نتوسع في إشراك كل من هو قائم بالحجة؛ فندرج في ميدانه كل من اعتقد بأصول الإسلام الأساسية، التي يجمع سائر المسلمين قديماً وحديثاً عليها، ونافح عنها؛ من دون أن نغفل حق من أراد أن يتمدرس في منهج من مناهج علم الكلام على طريقة أهل السنة أو الشيعة أو الخوارج أو غيرهم.

نعم إن عصرنا الحالي رمى إلينا بكل ما أبدع عقل الإنسان من أفكار وما أكثرها، التقى بعضه مع أفكار المسلمين واختلف بعضه الآخر اختلافاً لا يزال قائماً إلى الآن، في مواجهة مكشوفة وخفية، وعلماء الإسلام فيها غائبون غياباً تاماً أو يكاد، على خلاف ما كان عليه الحال في العصر العباسي، الذي انبرى فيه الفطاحل من دون خوف أو وجل، فأسهموا في بناء هذا العلم ووسموه بميسمهم. في حين سيطر على العلماء اليوم التقليد والجمود، بل الضعف والنكوص؛ فملأ أولئك الأجداد الدنى بمآثر بقيت شاهدة، وترك هؤلاء الميدان فغدوا عالة على سالفيهم، يقتاتون على أبكار أفكارهم.

دواع خمسة كانت وراء توسّع المسلمين في الاعتماد على المنهج الفلسفي في بيان أسس العقيدة الإسلامية والذود عنها:

أولاً- المقارنات التي قام بها علماء ديانات أخرى دخلوا الإسلام كاليهود والنصارى والزرادشت والمانويين والصابئة وغيرهم، بين دياناتهم الأولى والدين الجديد الذي اعتنقوه، فكان في ذلك جدل وكلام أغنى الساحة الكلامية.

ثانياً- الإسلام دين حضاري، ومن مستلزمات ذلك أن تنفتح موضوعاته كلها على الأسئلة المطروحة كافة، مما يستدعي مناقشة المحكم والمتشابه من النصوص؛ فنشأ الجدل والحجاج الذي أسهم في صياغة علم الكلام.

ثالثاً- ممن دخل في الإسلام أناس أعلنوا الشهادتين ولكنهم أضمروا الكفر، بدؤوا في التشكيك في تعاليم الدين من وحي نياتهم غير البريئة، فانبرى العلماء إلى الرد عليهم اعتماداً على المنطق والفلسفة، فتوسعت مباحث هذا العلم.

رابعاً- لم يكتف العلماء المسلمون بالرد على هؤلا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تاريخ الفكر الانساني هو تاريخ الأسئلة الكبرى

كتبها سرمد المغربي ، في 2 أغسطس 2008 الساعة: 00:29 ص


د. عبدالجبار الرفاعي

لايمكن لمن هو مهتم بحركة الانتاج الفكري والثقافي في العالم العربي والاسلامي الا ويقف بإجلال لروعة الجهد الفكري الرائد الذي يضطلع به الباحث والمفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي واصداره لمجلة قضايا اسلامية معاصرة فقد استوعبت شخصية الرفاعي جملة من الاشتغالات الفكرية وتنوعت مجالات اهتمامه من وحي تنوع وغنى المصادر الفكرية التي يقف عليها ويتوفر على الاحتكاك اليومي بها. الرفاعي أكثر من باحث مهموم بالثقافة الاسلامية واسئلة التجديد، فهو أحد العلماء الذين كانت ولاتزال لهم قدم راسخة في مجال التحصيل العلمي في الحوزة العلمية وأحد الاساتذة المرموقين في الفلسفة الاسلامية وهو مترجم نشط لعدد كبير من الابحاث والاصدارات الايرانية للغة العربية، وهو آخراً وليس أخيراً رئيساً تحريرياً لمجلة قضايا اسلامية معاصرة ومؤسس مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد أخيراً, وصاحب الاصدارت الفكرية العديدة.
هذا اللقاء يحكي صورة من مقطع طويل لقصة رجل أعطى أكثر مما تعطيه المؤسسات، وهو الذي في مهجره لم يكن يملك الكثير الا صلابة العزيمة وحيوية الطموح الجامح، فإلى الحوار:
ترجمة الهم الاصلاحي الى مشروع مطبوعة
 عرفتم في الاوساط العلمية والفكرية في الوطن العربي من خلال مشروعكم الرائد والذي قام على جهد شخصي كامل وهو مشروع مجلة قضايا اسلامية معاصرة التي مثلت جسراً تواصلياً بين الساحة الفكرية في ايران والساحة الفكرية في الوطن العربي. ما هي ظروف نشأة هذا المشروع وما هي ابرز دواعي ولادته؟
 بعد ان انهيت تعليمي الاكاديمي في تخصص الزراعة, انخرطت في الحوزة العلمية في النجف الاشرف في سنة 1978, وبعد اضطراب الاحوال الامنية والسياسية في العراق اضطررت للهجرة الى ايران, لالتحق بعدها بالحوزة العلمية في قم, وواصلت دراستي في الحوزة العلمية, ثم بالتدريج وبحسب الطريقة المعروفة، ان الطالب في المرحلة المتقدمة يباشر مهام التدريس للمرحلة التي قبلها, فكنت طالباً ومدرساً الى ان وصلت الى مرحلة البحث الخارج, وفي الوقت نفسه كنت استاذاً للمقدمات والسطوح, وقد امضيت سنوات طويلة ناهزت ربع قرن في الدراسات الحوزوية، وحاولت ان ادرس بالطريقة التقليدية المتعارف عليها في الحوزة, حتى أنني كنت مهتماً بالكتب التي توجد مناهج بديلة لها، فعلى سبيل المثال قمت بالجمع بين دراسة علم اصول الفقه بالطريقة التقليدية, فدرست كتاب معالم الدين واصول الفقه المعروف بأصول المظفر وكتاب الرسائل و الكفاية. ودرست ايضاً المنهج الجديد، وهو دروس في علم الاصول المعروف بالحلقات الذي كتبه الشهيد محمد باقر الصدر، وحاولت ان اجمع بين المنهجين , وكنت مثابراً في الدراسة لسنوات طويلة , ووجدت من خلال دراستي للمعارف والعلوم الاسلامية التراثية في الحوزة أن بعض هذه العلوم بحاجة الى اعادة بناء وتحديث, وبحاجة الى ان تخرج باسلوب جديد ولغة جديدة, تنسجم مع التحولات الهائلة التي تجري في عصرنا, وهذه الحقيقة ادركها منذ أكثر من مائة سنة السيد هبة الدين الشهرستاني, والسيد محسن الامين, والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء, والشيخ محمد جواد الجزائري، ثم في ما بعد الشيخ محمد رضا المظفر الذي اضطلع بمشروعه الرائد جمعية منتدى النشرو كلية الفقه, ثم في ما بعد السيد محمد باقر الصدر الذي اهتم بتحديث مناهج الدراسات الاسلامية في الحوزة العلمية.
انا لم أكن تواقاً لبناء مدرسة في الحوزة العلمية بموازاة المدارس الاخرى الموجودة في الحوزة فعلاً, انما كان شاغلي هو أن الواقع الذي تعيشه الحوزة في بعض جوانبها يعيش حالة من الفقر الثقافي، على الاقل في الوسط الذي عشت فيه شخصياً، فكان الاهتمام ينصب على النصوص التراثية التي ندرسها ثم نقوم بتدريسها، وكان هناك على الدوام حاجة ملحة الى التواصل مع المشهد الثقافي المحيط بنا، سواء كان المشهد الثقافي العربي, أو المشهد الثقافي الايراني, فبدأت أفكر بضرورة التحديث، اي اعادة بناء النظام التعليمي في الحوزة وضرورة الانفتاح على العصر، وقد ولدت مجلة قضايا اسلامية معاصرة في فضاء هذا الهم. أي بعد ان ادركت متأخرا ان التحديث ينبغي الا يقتصر على اعادة صياغة الكتب المتعارفة للدراسة، وانما ينبغي ان يطاول بنية المعارف المدروسة في الحوزة العلمية، فيصار الى اعادة بناء المعارف ذاتها، ذلك ان المشكلة ليس مشكلة صياغة واستبدال عبارة ملغزة بعبارة واضحة، كما توهمت من قبل.
وقبل صدور مجلة قضايا اسلامية معاصرة كانت هناك مجلة قضايا اسلامية وقد صدرت لمدة اربع سنوات (1994- 1998), وكانت قضايا اسلامية حولية, ثم تحولت الى نصف سنوية, وكنت اصدرها بتمويل من الصديق الاخ الشيخ مهدي العطار, ثم باشرت باصدار قضايا اسلامية معاصرة, وقد أكملت المجلة عامها الثامن، واصدرت بجوار هذه المجلة سلسلة كتب بعنوان سلسلة كتاب قضايا اسلامية معاصرة صدر منها حتى الآن ثمانون كتاباً, تعالج نفس الاشكاليات التي تشتغل عليها المجلة. كما أصدرت سلسلة بعنوان «آفاق التجديد» صدر منها خمسة كتب, طبعتها دار الفكر المعاصر في بيروت، كما أصدرت سلسلة كتب مرجعية باسم المشهد الثقافي في ايران صدر منها كتابان مرجعيان, الكتاب الاول بعنوان فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة, والكتاب الثاني علم الكلام الجديد وفلسفة الدين, والآن اصدرت سلسلة بعنوان «فلسفة الدين والكلام الجديد» صدر منها عشرة كتب مرجعية متخصصة، واسعى لاستيعاب مجموعة من الاسهامات والكتابات في هذه الموضوعات باللغة الفارسية مترجمة الى العربية أو باللغة العربية, وكل هذه الاعمال الآن تصدر في اطار مركز قمت بتأسيسه في بغداد وأطلقت عليه اسم مركز دراسات فلسفة الدين, وسنعمل على الانتقال بكل الاعمال الى بغداد انشاءالله، وسيعتبر المركز بمثابة مظلة تستوعب هذه الجهود.

تاريخ الفكر الانساني هو تاريخ الاسئلة الكبرى
 قضايا اسلامية معاصرة استطاعت ان تحدث حولها جدلاً واسعاً, بسبب طبيعة ما تعالجه من ملفات ساخنه، ما هي ردود الأفعال التي واجهتكم في خلال مسيرة المجلة؟
 التحديات التي واجهتها المجلة متنوعة, وربما كان التحدي الاهم بصراحة هو مشكلة الامكانات، لأنه وكما تعلم, فان العمل الاعلامي, وأي مطبوعة سواءاً كانت مجلة أوصحيفة تحتاج الى: ميزانية, وهيئة تحرير, ومبنى, وكل متطلبات العملية التحريرية، والمجلة تفتقر الى هذه المتطلبات، ولكني كنت أكافح واجاهد باصرار على اصدار المجلة, لاعتقادي بأهمية وضرورة استمرارها, حتى اضطررت قبل عدة سنوات الى بيع مكتبتي الشخصية, وهي مكتبة تمثل حصيلة عمري, واستطعت ان اجمع فيها اكثر من 5000 كتاب، ولكني شعرت ان المكتبة ممكن ان تعود, لكن استمرارقضايا اسلامية معاصرة في هذه الفترة اهم من اقتناء المكتبة . لقد كان هذا التحدي من اقسى التحديات التي واجهتني, ولكن بعد ان عُرفت المجلة اصبحت لها مبيعات جيدة في البلاد العربية، خصوصاً بعد ان باتت تصدر في بيروت منذ سنوات صارت تغطي مقدارا جيدا من نفقاتها.
اما التحدي الآخر فقد تمثل باعتراض بعض الناس الذين يحتمون بالتراث، فهم عادة ما يستفزهم الصوت الجديد، الصوت الذي يدعو الى التحديث, لأن الناس بطبيعتهم يألفون القديم ويهابون الماضي. خصوصاً اذا تعلقت مسألة التحديث بالفكر الديني, لأن الفكر الديني فكر يمتزج بالمقدس, وبالتالي كأنك تطال المقدسات, لذلك كان البعض يتحفظون على مثل هذا اللون من الخطاب، لكني بصراحة فوجئت بأن جماعة من العلماء, الذين اكن لهم احتراماً كبيراً,كالمرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين, الذي كان يهاتفني باستمرار, ويثني على هذا الجهد, ويقول أنا اعتبر هذه المجلة اهم مجلة باللغة العربية في قضايا الفكر الاسلامي المعاصر وكذلك السيد محمد حسين فضل الله فإنه ايضاً يثني ثناءاً عاطراً على هذا الجهد ويساهم بمشاركاته في المجلة باستمرار، وكذلك السيد محمد حسن الامين, والسيد هاني فحص,كما أن هناك مجموعة من رجال دين وفقهاء معروفين في الحوزة العلمية في قم وفي مواطن أخرى، يبادرون للكتابة في قضايا اسلامية معاصرة ويحرصون على متابعتها, ويقولون لي ان هذه دورية مميزة لا نريدها ان تتراجع او تتوقف, ويمكنكم مراجعة محتويات كل ملف من الملفات التي تنشرها لتطالع المساهمات الكثيرة للفقهاء والباحثين في الحوزة العلمية، فلم يصدر عدد من المجلة من دون مساهمات لكتاب من الحوزة العلمية.
وهذه من الاشياء التي فاجئتني, لأن هذا الصوت ليس وتراً وانما هناك بعض الناس الذين يعتبرون هذا الصوت معبراً عن تطلعاتهم ورؤاهم، خاصة وان المجلة حاولت ان تهتم بنقل موضوعات جادة وحيوية تمثل تحولات الفكر الديني في ايران الى القارئ العربي، واستطيع ان ازعم بأن القارىء في بلادنا يطلع على هذه القضايا الاشكالية للمرة الاولى في قضايا اسلامية معاصرة.
وقد حاولت المجلة ان تشتغل على ملفات ترتبط بتحديث العلوم الحوزوية, من قبيل: الاتجاهات الجديدة في علم الكلام, ومقاصد الشريعة, وفلسفة الفقه, والهرمنيوطيقا والتأويل، والتعددية الدينية، والتسامح … وغير ذلك. واعتقد أن هذه الدورية استطاعت أن تتجاوز هذا التحدي بنجاح, لأنها عبرت عن صوت جماعة من المثقفين والباحثين وعلماء الدين وطلاب العلوم الاسلامية في الحوزات العلمية الذين لم يكن لهم صوت في ما سبق, وتحولت قضايا اسلامية معاصرة الى منبر ثقافي, يحكي تيارات تحديث المعرفة الدينية, مضافا الى انه لا يتجاهل المواقف المناهضة , وانما يلاحقها ويعرف بها وينشرها, وبوسعك ان تلاحظ ما ينشر من وجهات نظر متقابلة على صفحات المجلة في ابرز القضايا المطروحة فيها.
التحدي الآخر هو التحدي الشخصي، وذلك ان المجلة تستنزف اغلب جهدي ووقتي, باعتباري أباشر كل العمليات التحريرية, في ظل غياب هيئة تحرير للمجلة، هذا في الوقت الذي لازلت فيه مدرساً في الحوزة العلمية. والعملية التحريرية تحتاج الى جهد كبير, فعلى سبيل المثال انا الذي اعقد الندوات للمجلة, وبعد ذلك اقوم بتفريغ اشرطة الكاسيت واحررها, كما اني اقوم بوضع خطط الملفات, واجرى الاتصالات مع الكتاب, وانفذ الحوارات , وأترجم بعض النصوص, واقوم بمراجعة ما يترجمه المترجمون، وبالتالي فالعمل يستنزف مني جهداً مرهقا, خاصة وان المجلة فصلية, و تصدر في أكثر من 300 صفحة، هذا هو التحدي الشخصي الذي اتعبني كثيراً, حتى انني فكرت اكثر من مرة بايقافها لكي اتفرغ لأعمال كتابية أخرى.

 ذكرتم موقفا ايجابيا ازاء خطاب المجلة والملفات التي تشتغل عليها ابداه علماء من خارج ايران، ماذا عن علماء ايران لاسيما ونحن نجد بعض الاسماء المرجعية التي تشارك في المجلة؟
 المجلة خطاب موجه للقاريء العربي, فهي تصدر في بيروت، وتوزع في البلاد العربية, وبالتالي فهي غير مقروءة في ايران، لأن ما يقرأ في ايران عادة ما يكون مدونا باللغة الفارسية. اما رجال الدين الذين يكتبون فيها, أو تهتم بنشر أعمالهم, وتجري معهم حوارات فموقفهم ايجابي.
وقضايا اسلامية معاصرة لاتحاول ان تتبنى موقفاً وتعتبره هو الصواب، ذلك ان المجلة لاتقف مواقف معيارية من الافكار, بمقدار ما تحاول ان تقدم للقارىء وجهات نظر متنوعة, ولذلك فإن من التقاليد التي ترسخت فيها, منذ عددها الاول , هو انها تحاول ان تنشر وجهات نظر مختلفة في باب في المجلة، يتكرر بعنوان وجهان وقضية وهذا الباب ننشر فيه وجهات نظر متقابلة في قضية واحدة، وجهة نظر محافظة ووجهة نظر اصلاحية، وجهة نظر تقليدية ووجهة نظر تحديثية, وجهة نظر تنتمي الى التراث ووجهة نظر تنتمي الى العصر، وبالتالي فإن القارئ بنفسه هو الذي يتخذ موقف. المجلة تعتقد ان من المهم فتح ثغرات، لاطلاق عملية التفكير، واطلاق عملية التفكير لا تتم الا من خلال اثارة الاسئلة, لأن تاريخ الفكر البشري هو تاريخ الاسئلة الكبرى.

علم الكلام الجديد في ايرن والعالم العربي
 تيار علم الكلام الجديد اجتاح حيزاً من الفضاء الفكري في العالم العربي بفضل الموجة التواصلية التي احدثتها قضايا اسلامية معاصرة مع المشهد الثقافي الايراني.. ما هي مخاضات نشأة هذا العلم في الساحة الايرانية؟ ومن هم أبرز ممثليه؟
 أولاً: نشأة الكلام الجديد ليست ايرانية، حتى ان مصطلح الكلام الجديد هو بالاصل ليس من المصطلحات التي نحتت في ايران. ذلك ان اقدم الكتب في هذا الموضوع هو كتاب باسم «علم الكلام الجديد» ألفه المفكر الهندي شبلي النعماني, وشبلي النعماني كان في بداية مساره يعمل مع السير سيد أحمد خان، والأخير كان رمزا تحديثيا مهما في شبه القارة الهندية, وبعد ذلك حصل افتراق بينهما, وكل واحد أخذ مسارا خاصاً به, فذهب شبلي النعماني ليؤسس ندوة العلماء, فيما واصل سير سيد احمد خان مشواره, وسط ردود افعال مناهضة لمساعيه ومشككة في أفكاره ومشاريعه.
فالتسمية اذن اطلقها النعماني على كتابه في بداية القرن العشرين, وهذا الكتاب مترجم الى الفارسية مبكراً, وان كانت الموضوعات التي يعالجها الكتاب بسيطة, ولكن في الكتاب دعوة حثيثة لتنمية دائرة علم الكلام ليتسع لمباحث لم يعرفها من قبل, واعادة بناء التراث الكلامي على مرتكزات بديلة. اضافة الى ذلك فإن اهم عمل كتب برأيي في النصف الأول من القرن العشرين في علم الكلام الجديد وفلسفة الدين هو كتاب تجديد التفكير الديني في الاسلام للمفكر المسلم محمد اقبال, وهو كتاب في غاية الاهمية, ومع الأسف ان محمد اقبال غير مكتشف في العالم العربي كمفكر بل هو معروف كشاعر, وهذا الكتاب ايضاً غير مكتشف, بالرغم من أنه مؤلف قبل اكثر من سبعين سنة, وهو مترجم الى العربية والفارسية وغيرهما من اللغات.
وهناك مساهمات متميزة في ما عرف بعلم الكلام الجديد للسيد محمد باقر الصدر, وانا كتبت مدخلاً لكتاب موجز في اصول الدين للشهيد الصدر في مئة صفحة, تحدثت فيه عن دوره في اعادة بناء علم الكلام، صحيح انه لم يكن يعبر عنه بعلم الكلام الجديد، ولكنه قام بنفس المهمة. وهناك ايضاً مساهمات اخرى في العالم العربي، كجهود الدكتور محمد عبد الله دراز وغيره.
ما حصل في ايران هو أن تكوين المثقف الايراني تكوين مزدوج في الغالب, تندمج فيه عناصر تراثية مع اطلاع جيد على العلوم الانسانية الحديثة ، فقد توفرت نخبة من الباحثين والدارسين الايرانيين على تأهيل أكاديمي في فلسفة العلم, وقضايا التأويل, والفلسفة الغربية الحديثة, واطلعوا على العلوم الانسانية الحديثة في الغرب, واهتموا باللاهوت الاوروبي الحديث, بل ان هناك من يلاحق اللاهوت في الهند واليابان والصين , وتطورت الدراسات المقارنة للاديان, وتنامى الاهتمام بأديان آسيا.
ايضاً وجود أرضية في ايران للدرس الفلسفي, ولدراسة العرفان النظري أو التصوف الفلسفي، ويمكن القول ان الحاضرة الوحيدة في العالم الاسلامي التي تدرس التصوف الفلسفي او العرفان النظري والفلسفة الاسلامية بالطريقة التقليدية هي الحوزة العلمية في قم، والدارس فيها يبذل جهدا هائلا ولسنوات طويلة من عمره في هذا المضمار.
هذا الواقع وفر مرجعية مركبة للباحث، من تراث ومعاصرة, من عرفان نظري وفلسفة وكلام قديم ومعقول بشكل عام وعلوم انسانية حديثة، وملاحقة لمقولات اللاهوت الحديث في الغرب, بدءاً من الحركة البروتستانتية لمارتن لوثر, مروراً بشلاير ماخر ومجموعة من اللاهوتيين الغربيين في القرنين الاخيرين حتى الآن. كل ذلك اوجد ارضية خصبة لولادة وتطور اللاهوت الجديد في ايران, مما لا نعرف عنه الا القليل في العالم العربي, واحسب انه سيفضي لتحولات عميقة في الفكر الديني, ستظهر آثارها في تفكيرنا بعد حين.
أما من هم الذين اشتغلوا على هذه الموضوعات من الايرانيين؟ ففي الحقيقة هناك أكثر من جيل:
الجيل الاول الرائد فيه هو العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي صاحب تفسير الميزان, وهو يعتبر استاذ الجيل, وبعض طلابه وعلى رأسهم الشيخ مرتضى المطهري، وان كان اسهامه في هذا الحقل هو بمثابة عرض وتيسير, واعادة تنظيم الافكار, وتعميقها, واعادة بناء البراهين الموروثة في علم الكلام والتراث القديم من جديد, والاجابة من خلال هذه البراهين على الاسئلة والاستفهامات والاشكالات الجديدة.
المهندس مهدي بازركان ايضاً كان لديه اسهام في هذا الحقل, خصوصاً بما يتعلق بقضية جدل العلم والدين, والدكتور علي شريعتي لديه جهود مميزة, بالذات فيما يتعلق بمقارنات الاديان, ومايعبر عنه بسوسيولوجيا الدين, وانثربولوجيا الدين. اما الدكتور حسين نصر فإنه يسعى لتقديم الماضي بقناع تحديثي, لذلك يحذر الانسان من شيوع الطابع العرفي اللاتقديسي في دنيانا , ويدعو للاهتمام بالعلم المقدس, والمزاوجة بين المعرفة والامر القدسي, ومن الواضح ان دعوته الى ما يسمى بالعلم المقدس يكتنفها الابهام, ولا تخلو من هجاء, ونفي لكل ما هو غربي, وربما يتمدد فيها مدلول المقدس فيستوعب التراث برمته, والتمثلات المتنوعة للاجتماع الاسلامي, وهو مدلول يستقي مرجعياته من آثار المتصوفة والعرفاء, وشئ من نقد تيارات ما بعد الحداثة للعقل والعقلانية في الغرب.
هذا هو الجيل السابق. وكل واحد من هؤلاء لـه مساهمته الخاصة؛ فمساهمة حسين نصر غير مساهمة شريعتي, وهناك حالة تقاطع بين مواقفهما الفكرية, فالاخير يعمل
المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الفلسفة والتاريخ

كتبها سرمد المغربي ، في 10 يوليو 2008 الساعة: 18:26 م

الفلسفة والتاريخ

 

الفلسفة والتاريخ

بقلم: د. حسن حنفي .

history1_250لقد ارتبطت الفلسفة بالتاريخ ليس فقط من حيث هو تاريخ الفلسفة أي رصد تاريخ الفكر البشري وتقلباته بل من حيث هو فلسفة التاريخ أي التفكير في تطور التاريخ وحركته ومحاولة البحث عن قانون يحكم هذا التطوّر ويصف هذه الحركة. بل إن تاريخ الفلسفة ذاته ليس رصداً ميتاً للمذاهب والنظريات الفلسفية عبر التاريخ دون رجوع إلى ظروفها التاريخية وتعبيرها عن روح العصر، بل هي معرفة التجارب البشرية الفردية والاجتماعية والتاريخية التي خرجت منها هذه الفلسفات. تاريخ الفلسفة هو تاريخ الروح البشري في مواجهة الواقع وعبر التاريخ. لذلك كان هناك نوعان من تاريخ الفلسفة:

الأول هو الرصد الكمّي لتاريخ الأفكار بلا منظور أو قانون أو دلالة. والثاني محاولة الدخول في أعماق التاريخ والذهاب إلى ما وراء الأفكار لمعرفة دلالاتها على عصورها وظروف نشأتها والتجارب الحيّة التي وراءها، وصلتها بالمرحلة التي قبلها وتمهيدها للمرحلة التي بعدها. الأوّل موتٌ للفلسفة، والثاني حياة لها. لقد كانت الفلسفة ابنة عصرها تعبّر عن أزمة العصر وتحاول إعطاء حلول تعبّر أيضاً عن تصوّر العصر وتجاوزه إلى ما بعده. نشأت الفلسفة في التاريخ، وخرجت من موقف ولكن ضاعت على أيدي أساتذة الفلسفة ومحترفيها واجتثوها من الجذور، وعرضوها كطائر في الهواء لا مستقرّ له ولا مكان. الصلة بين الفلسفة والتاريخ واضحة بذاتها. وعليها يتوقف موتها أو حياتها. إذا ما ارتبطت الفلسفة بالتاريخ تنمو وتزدهر وتحيا. وإذا انفصلت عن التاريخ تخبو وتتقلّص وتموت.

الفلسفة حركة التاريخ. وفصلهما مثل فصل الرّوح عن البدن، وإثبات الروح مجردة غير مرئية لا مستقرَّ لها إلاَّ في عالم الغيب، وجثة هامدة لا حراك فيها تنحلّ بعد حين، فتندثر الأمم. وأغلب ما يشاهد فيه موت الفلسفة وحياتها في التاريخ في نهاية مرحلة وبداية أخرى، وفلسفة العصور الذهبية حية باستمرار، وفلسفة الخمود والانحطاط ميتة باستمرار، ولكن البعث الفلسفي يحدث في لحظات الموت والحياة عندما تخبو حركة التاريخ ثم تبعث فيها الحياة من جديد. فأرسطو وابن خلدون وشبنجلر وتوينبي وبرجسون وهوسرل في نهاية عصر عندما تؤذن الحضارة بالنهاية. وسقراط والكندي، وديكارت، والطهطاوي بدايات لعصور عندما تُبْعَث الحضارة من جديد.

تموت الفلسفة إذن عندما تكون خارج التاريخ لا شأن لها بتطور الروح البشري ولا بحياة الشعوب. تظل فلسفة لا في زمان ولا مكان، فلسفةً يمكن نقلها من عصر إلى عصر، ومن بيئة إلى بيئة، ومن جيل إلى جيل، لا موطن لها ولا مستقرَّ، لا تقضي على طاغٍ ولا تقيم صَرْحَ دولة. وهي مثل الفلسفات التي ننقلها نحن هذه الأيام من الغرب حتى نكون معاصرين، نكسب بعض الشهرة، ونرتزق منها، ونجد فيها مادة للتدريس كما نجد البضائع المست

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حوار مع الشيخ زكي الميلاد

كتبها سرمد المغربي ، في 14 مارس 2008 الساعة: 15:42 م

حوارات

صحيفة الوقت البحرينية تحاور سماحة الشيخ الميلاد حول : الانحطاط والنهضة والمقولات الجديدة للإصلاح الدّيني
الوقت ـ ‬نادر المتروك - 13.05.2006 - 04:09 pm

الوقت - نادر المتروك (البحرين)

يبدي‮ ‬الشيخ زكي‮ ‬الميلاد مرونة جلية مع مفهوم‮ ‬الحداثة الدينية‮ ‬ومتفرعاتها،‮ ‬وهو لا‮ ‬يجد داعياً‮ ‬لما‮ ‬يُثار ضد المفهوم من إشكالات واعتراضات واضعاً‮ ‬مفهومه له بالإشارة إلى إمكان التناغم بين الحداثة والدين‮. ‬ وفي‮ ‬حين‮ ‬يُبدي‮ ‬الميلاد أسفه لتحويل الاختلاف الفكري‮ ‬إلى حالات متحزّبة،‮ ‬فإنه‮ ‬يتعاطف مع دعوة الشيخ حيدر حب الله لإقامة مؤتمر للاعتدال الشيعي،‮ ‬ولكنه‮ ‬يؤكد على ضرورة عدم الانفصام عن الآخرين في‮ ‬ذلك‮. ‬
 الشيخ الميلاد من مواليد القطيف ‮5691م‬،‮ ‬أصدر عدداً‮ ‬من المؤلفات الفكرية،‮ ‬ومنها‮ (‬الفكر الإسلامي‮ بين ‬التأصيل والتجديد‮)‬،‮ ‬و(‬محنة المثقف الديني‮ ‬مع العصر‮)‬،‮ ‬و‮(‬تجديد التفكير الديني‮ ‬في‮ ‬مسألة المرأة‮)‬،‮ ‬وهو مستشار أكاديمي‮ ‬في‮ ‬المعهد العالمي‮ ‬للفكر الإسلامي‮ ‬في‮ ‬الولايات المتحدة،‮ ‬وعضو استشاري‮ ‬في‮ ‬أكثر من دورية رصينة‮. ‬ يمثل الميلاد جيلا جديداً‮ ‬من الإسلاميين السعوديين الذين بدأوا الخلوص من الإيديولوجيا إلى مساحة أوسع من المعرفة الدينية‮. ‬وتمثّل مجلة‮ (‬الكلمة‮) ‬التي‮ ‬يرأس تحريرها؛ إحدى علامات هذه الحالة الإسلامية الجديدة‮. ‬وللوقوف على علامات أخرى كان هذا الحوار معه‮.

 

  يتحدّث الباحثون عن انحطاط تاريخي ألمّ بالحضارة الإسلامية، وكأنها كانت تسلك طريقاً طبيعياً على مستوى نموّ الحضارات وانحدارها على النحو الذي عرفه تاريخ الإنسان، وفي ظلّ هذا التصوير التحليلي يُطابَق بين الحضارة الإسلامية وبقية الحضارات البشريّة، وهو ما يُعاكِس القراءة الدينية وبُعد الإمداد الغيبي الذي تستند عليه. من منظوركم الإسلامي؛ كيف تقاربون ما يُعرف بانحطاط الحضارة الإسلاميّة مع لحاظ الخلفية التأمينيّة التي يوفّرها ارتباط مكوّنات هذه الحضارة بالسماء والمعجزة القرآنية؟
لعل المستشرق الأمريكي المعروف مارشال هودجسون المتوفى عام 1968م, من أكثر الباحثين والمتشرقين الغربيين المعاصرين تشكيكاً في مقولة انحطاط الحضارة الإسلامية. وقد اعتبر في كتابه الموسوعي الشهير (مغامرة الإسلام.. الوعي والتاريخ في حضارة عالمية) الصادر في ثلاثة مجلدات, بعد وفاته عام 1974م, بعناية زوجته وتلامذته وزملائه, أن هذه فكرة خاطئة, ومردها حسب نظره إلى أنه لم تجر حتى الآن أية إعادة نظر حقيقية في الثقافة الإسلامية ككل, ولهذا يرى أن مقولة الانحطاط الإسلامي لا يمكن القبول بها جدياً. وذلك بعد أن كان من المألوف لدى العلماء المحدثين الافتراض كما يقول هودجسون, بأن الثقافة الإسلامية دخلت في حالة من التقهقر أو الانحطاط بعد انهيار الخلافة في الحقبة العليا, أو في أقصى تقدير زمني في فترة الاحتلال المغولي في القرن الثالث عشر. النتيجة التي يترتب عليها في نظر هودجسون اعتبار أن أية أدلة على حيوية وعظمة الثقافة الإسلامية في الفترات اللاحقة, خصوصاً في القرن السادس عشر نادرة بمعنى ما, وكأنها ليست جزءاً من الثقافة الإسلامية بل سلسلة من الأحداث التي لا تربطها بها صلة.
وما يخلص إليه هودجسون أن مصير الحضارة الإسلامية ليس مثالاً عن قانون بيولوجي يقضي بأن على كل عضو أن يزدهر ثم ينحط, فالحضارة ليست بنية عضوية.
لذلك تقوم أطروحة هودجسون على ضرورة قراءة تاريخ الإسلام وثقافته وحضارته من منظور عالمي شامل, واعتبار أن دراسة تاريخ النهوض الأوروبي الاقتصادي والصناعي والعلمي والإنساني لا يستقيم بدون قراءة تاريخ قرون الإسلام ما بين القرن العاشر والسابع عشر, ومعرفة دور الإسلام في تاريخ العالم وحضارته الحديثة.
وقد وجد الدارسون الغربيون قيمة معرفية وتاريخية هامة وكبرى في النظر لعمل هودجسون لتميز أطروحته, وجديته في البحث حيث أمضى ما يقارب عشرين عاماً وهو يبحث ويسجل ملاحظاته وتأملاته في تاريخ الإسلام وحضارته.
وهناك من أثار مثل هذه المقولة في داخل الفكر الغربي نفسه, وذلك عندما أصدر المفكر الألماني الشهير أزوالد اشبنغلر في العقود الأولى من القرن العشرين كتابه الذائع الصيت (انحطاط الغرب) أو (أفول الغرب) أو (تدهور الغرب) على اختلاف الترجمات. حيث اعتبر أن الغرب تجاوز مرحلة خلق الثقافة, وانتقل إلى مرحلة الحضارة أو المدنية التي تعني مرحلة الرفاه المادي, وهذا يعني في نظر اشبنغلر أفول الغرب أو انحطاطه. وقد أحدث هذا الكتاب في وقته ومازال صدمة وفتح نقاشات سجالية لم تنته إلى اليوم, وأدخل في الثق

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التعددية الدينية بوصفها حلاً للصراع الطائفي وأداةً له!

كتبها سرمد المغربي ، في 29 فبراير 2008 الساعة: 15:17 م


عبد الرحمن الحاج
كاتب سوري
info@almultaka.net

يحتاج الشرق الأوسط إلى تفكير عميق في الاختلاف الديني، وإلى إعادة تأسيس لقواعده في الإطار السياسي والاجتماعي وبالتأكيد فإن قضية «التعددية الدينية» بوصفها رؤية للتسامح من أجل التعايش مع التعارضات بين الأديان، حيث يعتقد كل دين بأنه يمتلك الحقيقة وحده. الخلاص (بحسب المصطلح المسيحي واليهودي) والنجاة والفلاح (بحسب المصطلح الإسلامي)، أو التنوير (بحسب المصطلح البوذي) هو وقف على أتباع هذا الدين دون غيرهم، أما هذا الغير فيكون مصيره إلى العذاب، ويتجاوز هذا الاعتقاد غالباً التعارضات الدينية إلى التعارضات المذهبية بين أتباع الدين نفسه، بين الكاثوليكية والبروتستانتية في المسيحية، وبين الماهايانا والهنايانا أو الثيرافادا في البوذية، والشيعة والسنة في الإسلام، الأمر الذي يزيد التعددية الدينية تعقيداً.

في كتابه «التعددية الدينية: رؤية إسلامية» (الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، 2005) يشير أنيس مالك طه إلى أن التعددية قد أسهمت كثيراً - إن لم تكن السبب الرئيس - في إيجاد جو من التوتر والقتال والحرب بل والإبادة الجماعية داخل المجتمعات الإنسانية منذ القديم. وفي ظل تقارب العالم في إطار ما يعرف بالعولمة وظهور أديان وفرق وحركات دينية جديدة، ازداد الوضع توتراً كما في البوسنة والهرسك بين المسيحيين والمسلمين، وكذلك في جنوب الفيليبين، وفي جنوب السودان وفي جزر الملوك الإندونيسية، وفي الشرق الأوسط بين اليهود والمسلمين، وبين الشيعة والسنة، وفي كشمير بين الهندوس والمسلمين، وفي إرلندا الشمالية بين الكاثوليك والبروتستانت وغيرها. هذا إضافة إلى أمواج الهجرة لكثير من أتباع الأديان الشرقية - ومن المسلمين خاصة - إلى البلاد الغربية مما يجعل الغرب يخاف على أمنه واستقراره في شكل عام.

يعرف جون هيك التعددية الدينية - وهو التعريف الذي يعتمده أنيس طه - على أنها «وجهة النظر القائلة بأن الأديان العالمية الكبرى إنما هي تصورات ومفاهيم متنوعة، واستجابات مختلفة للحقيقة النهائية المطلقة أو الذات العليا من خلال ثقافات الناس المختلفة، وأن تحول الجود الإنساني من محورية الذات إلى محورية الحقيقة يحدث في كل الأديان بنسبة متساوية»، فإذا كانت ظاهرة تعددية الأديان أو التعدد والتنوع الديني هي حقيقة اجتماعية واقعية وجودية لا بد من أن تواجهها المجتمعات الإنسانية المعاصرة، فإن التاريخ البشري في ظل الدولة الحديثة يشهد للمرة الأولى عالمياً تعايش الناس من أتباع الأديان المختلفة متجاورين في بلد واحد، وفي قرية واحدة، بل وفي شارع واحد، الأمر الذي شكل مشكلة جديدة بالنسبة الى المجتمعات التي لم تكن لديها خبرة أو تجربة في التعايش الديني السلمي، ما يجبر القادة والزعماء والمفكرين على اختلاف تخصصاتهم ومجالاتهم العلمية على البحث لإيجاد حل لمشكلة هذه الظاهرة الجديدة.

هكذا ظهرت أطروحات مختلفة عن التعددية الدينية يصنفها المؤلف في أربعة اتجاهات، أولها الإنسانية العلمانية ، ويمثل هذا الاتجـاه كثير من الزعماء السياسيين أمثال بنيامين فرانكلين، والعلماء اللاهوتيين أمثال هارفي كوكس. واتجاه اللاهوت العولمي، ويتمثل هذا الاتجاه في:

(أ) - أطروحة ولفريد ك. سميث عن إعادة النظر في مصطلح الدين.

(ب) - أطروحة جون هيك عن ضرورة تغيير الاتجاه من محورية الدين إلى محورية الإله. والتوفيقية أو الانتقائية، ويمثل هذا الاتجاه: المجتمع الإلهي والمجتمع الثيوصوفي (الذي تأسس عام 1875 في نيويورك، الولايات المتحدة، وانتقل مركزه إلى أديار - ناحية من نواحي مدراس - عام 1882)، وراماكرشنا، وسوامي ويويكانندا، والماهاتما غاندي. والحكمة الخالدة، وأبرز الممثلين لهذا الاتجاه: ف. شوون وسيد حسين نصر. يقوم هذا الاتجاه، الذي يركز الاهتمام على الوحدة «المتعالية» أو «الماورائية» لجميع الأديان أو روح الدين المشترك، على أساس التفرقة بين «الحقيقة المتعالية» التي هي واحدة فقط ليس بوسع أحد إدراكها، و «الحقيقة الدينية» التي ليست إلاَّ صوراً خارجية مختلفة لتلك الحقيقة الباطنية الواحدة. وتصبّ جميع هذه الاتجاهات في إضفاء صفة الشرعية المتساوية على جميع الأديان (والمذاهب والأيديولوجيات) الموجودة بحيث تتعايش جميعها في أمن وسلام وتسامح واحترام.

بدت هذه الفكرة، أي تساوي الأديان، للوهلة الأولى حلاً يبشر بالآمال والمعاني الإنسانية الجليلة، من حب وكرامة وتسامح وحرية وعدالة ولكن ثبت خلاف ذلك تماماً، فهذه الفكرة في الحقيقة، إلى جانب تعارضها الواضح الصريح مع مفهوم التعددية الدينية الم المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

علم الكلام.. والموقف من التراث

كتبها سرمد المغربي ، في 29 فبراير 2008 الساعة: 15:04 م


2008-02-20
عبد الواحد العلمي ـ بروكسل  
يسود استسهال كبير كثيرا من الأوساط الفكرية الإسلامية، ينتسب بعض منها إلى المجال الأكاديمي، فيما يتعلق بتقييم أو تقويم بعض علوم الأقدمين من المسلمين، خاصة ذات الصبغة النظرية، ونضرب لذلك مثلا بعلم الكلام، فكثيرا ما نسمع البعض يردد أن علم الكلام علم لم يكن له مبرر للوجود، وأن غيابه كان سيكون أفضل من قيامه فلم يكن المسلمون في حاجة إليه لا في الزمن القديم و لا في الزمن الحديث. ويذهب الآخرون مذهبا بعيدا بالقول إن مفاسد هذا العلم غطت على كل فوائده، إن كانت له أصلا فوائد، ومن ثَمَّ ينسبون إليه كل الشرور العقائدية التي لحقت الأمة، ولا يتردد آخرون في رد نشأته وقيامه إلى مؤامرة كبرى اجتمع على القيام بها فلول المعتزلة الأوائل واليهود والشعوبيون.. فانطلت على الأشاعرة والماتريديين، فتعاطوا هذا العلم الذي لا يشكل إلا بدعة كبرى، وليذهب كل تاريخه ومضامينه إلى الجحيم! لهذا نشهد على مستوى بعض جامعات الدول العربية والإسلامية محاولات، عبر البحوث والأطروحات، لتبرئة كل أئمة أهل السنة من تهمة الأشعرية، وحتى الأشعري نفسه يميزون في أعماله بين أشعري الإبانة عن أصول الديانة الذي يعتبرونه الأشعري الحق تابع الإمام أحمد، وبين أشعري المقالات والإقدام الذي يعتبرونه أشعريا مكذوبا عليه، إذ يرفضون نسبة هذه الكتب إليه.
وهناك اتجاه أكثر «رزانة» يستخف بالقيمة المعرفية والأبستمولوجية لعلم الكلام مفضلا عليه الفلسفة المشائية العربية كما ظهرت مع الكندي والفارابي وابن رشد وغيرهم، ويعتبر علم الكلام قاصرا لارتباطه بـ «تبرير» الخطاب الديني ولعجزه عن الخروج من شرنقته، وهو بذلك لا يفعل أكثر من بعث الموقف الرشدي من علم الكلام.
لا يخفى ما في القول الأول من إهدار لأهمية الشروط التاريخية والمعرفية في ظهور كثير من العلوم والمباحث. فالقول إن علم الكلام لا مبرر لوجوده ينم عن قصور في فهم الشروط التاريخية التي أحاطت بنشأته، خاصة تلك المتعلقة بضغوط السجالات العقائدية وملابسات التلاقح الثقافي والديني الناتجة عن دخول كثير من الأقوام والأجناس في الإسلام دفعة واحدة ووجودهم جنبا إلى جنب مع كثير من أتباع الديانات الأخرى. وأوجد لنا ذلك ظاهرة المسلمين الجدد الذين لا بد أنهم يحملون خلفيات ثقافية ودينية ومعرفية تنتمي إلى ثقافة غير الثقافة الإسلامية وليس من السهل التخلص منها، إضافة إلى وجود أناس من ديانة أخرى بقوا دائما متحفزين إلى السجال والدفاع عن معتقداتهم في وجه الوافد الديني الجديد. وكان لا بد من الاجتهاد لأجل هذا التدافع الثقافي السجالي وشحذ الآليات النظرية والمنهجية للدفاع «بالتي هي أحسن» عن الخيار الاعتقادي والديني. لم تكن الآلية النقلية لرجال الحديث -الذين كان معظمهم خصما لممارسي علم الكلام- كافية للسجال والتناظر مع غير المسلمين، وهذا بالضبط ما كان يقوم به فطاحل المعتزلة مثلا ث

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المثقّف الديني في العالم المعاصر

كتبها سرمد المغربي ، في 15 فبراير 2008 الساعة: 17:44 م

الأستاذ حيدر حب الله

 

المثقّف المتديّن ظاهرة، وليس فرداً أو أفراد، هذه حقيقة لم تعد قابلة للشك والارتياب، ثمّة تيار أو شريحة ثقافية يمكننا أن نطلق عليها اسم المثقّف الديني، شريحة تتخارج وتمتاز عن شريحة علماء الدين وخرّيجي الحوزات الدينية دون أن نسلب الثقافة عن غيرها أو نُفقِدَها العلم الديني، شريحةٌ ولدت من رحم المناخ الديني، بعضُ أفرادها كانوا ضمن الحوزات العلمية والمعاهد الدينية، وبعضهم كان على مقربة منها تفصله مسافة بسيطة، وبعضهم حاول من بعيد أن يلامس الدينَ بالوعي والمعرفة، مع التزامه الديني ومنطلقه الإسلامي.. لكن على أيّة حال، شريحة لم يعد يمكن تجاوزها، بل تنامت حتّى رأى البعض أنّها غدت تنافس المراجع الدينية الرسميّة في بعض وظائفها.

1 ـ أهم مشكلة واجهتها هذه الشريحة وما تزال، مشكلة الشرعية التي أثارتها الحوزات وخرّيجوها، ثمّة شك في كفاءة هذه الفئة للخوض في المباحث الدينية، بل ثمّة من يمنع عليها ويحجر التفكير الديني والبتّ في قضايا الدين، وذلك انطلاقاً من عدم وعيها التام بالتراث الديني وعلومه، وقد عزّز هذا الاعتقاد في أوساط التيار الرسمي بعض الهفوات الفاضحة التي وقعت فيها هذه الشريحة، مما زاد من الحملة عليها والتشكيك بقدراتها.

لكنّنا لا نجد ذلك عذراً، فأن تكون هناك هفوات واقع لم تسلم منه أي مؤسسة علميّة على مرّ الزمن، وصفحات التاريخ بين أيدينا تشهد عند تصفّحها على هذه الحقيقة.

وأمّا عدم اتخاذ هذه الشريحة منهاج الدرس الديني الرسمي أو عدم قولها بآليات الاجتهاد المتعارفة، فهو خلاف منهجي، يمكن أن يقع داخل أي تيّار، ومن ثمّ فلا يصحّ جعله منطلقاً لعدم الشرعيّة، ما دامت المناهج كلّها منتميةً ـ على الأقل ـ إلى مدارس الفكر العريقة في تاريخ الإنسان.

وأما الشكّ في نوايا هذه الشريحة وكفاءتها الأخلاقية، فهذا موضوع لا يجوز الحديث فيه على مستوى جماعة أو تيار، فإن فيه الكثير من الإجحاف والظلم، نعم، لا نُبدي ممانعةً إذا ما كان الكلام خاصّاً في دوائر أفراد أو فئات قليلة محدودة، إذ لا ينبغي حُسن الظن بما يفضي إلى الحماقة، لكن وجود أفرادٍ وفئات محدودة داخل هذه الشريحة لا يبرّر محاكمة النوايا عموماً أو اتخاذ مواقف مشكّكة من الجميع، وإلا فالأمر ينسحب على أي شريحةٍ أخرى في المجتمع حتّى لو قال البعض: إنه بدرجة أخف.

2 ـ لكننا مع اعتقادنا بضرورة وجود هذه الشريحة، وتكوين منافس داخلي، يمكن لوجوده أن يساعد في نموّ العلم والمعرفة، نلاحظ على هذا التيار ملاحظات عدّة نهدف منها أن ترشّد وتصوّب وإن كنّا نجد بعض هذه الملاحظات في الشرائح الثقافيّة الأخرى أيضاً، فقد بدا واضحاً أن المثقف الديني ـ وطبعاً في الحالة الغالبة لا الدائمة ـ غير خبير بالتراث الإسلامي المعرفي، على خلاف غيره، وأركّز هنا على الطبقات المتوسّطة، ثمّة معالجات حسّاسة لموضوعات فقهية أو فلسفية أو… تُثار اليوم من قبل البعض دون تكوين خلفية تراثية محكمة، ولهذا وجدنا أن بعض مثقّفينا يملك اطّلاعا ًواسعاً على واقعه المعاصر واطلاعاً كبيراً على النتاج الغربي، لكنه لا يدري ــــ بالشكل المطلوب ــــ بالتراث الإسلامي وعلومه، وأين وصلت اليوم هذه العلوم.

ولعلّ هذه الظاهرة سببها التشكيك في جدوى نتاجنا المعرفي عند هذا المثقّف، لكن على أية حال، لا يمكن للمثقّف أن يشقّ طريقه أو ينافس خصمه بمعزل ع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أي رؤية تجديدية نمتلك لسيــاق مــعرفي إسلامي متـأزم؟

كتبها سرمد المغربي ، في 11 يناير 2008 الساعة: 15:43 م

 "أفكار قلقة وواقع صعـب"

 


يوسف بناصر

بدأت الحضارة الاسلامية مسيرتها في خدمة الإنسانية فكرا وروحا وبناء، انطلاقا من رؤية شمولية تنسجم مع المطالب والطموحات الانسانية، فكان النص المنزل – القرآن- يشهد حركية متفاعلة؛ استجابة لأسئلة الصدر الأول من الصحابة و التابعين المرتبطة أساسا بالحياة الجديدة التي بشر بها القران و الدين الاسلامي ، فنتج عن ذلك انشاء جيل متعطش للمعارف القرآنية يسترشد بها للاجابة عن تحديات الجاهلية الاولى ويهمين بها على مشاكله العقدية والفكرية التي يعايشها أو التي تنحدر من الحضارات المجاورة له [فارسية،بزنطية ،يونانية...] فجددوا للحضارة الانسانية نفسَها وصححوا أصلها لترتقي لقرون عدة، هذا قبل أن تعرف إنتكاسة وتدخل في تحديات الانحصار والأزمة والجمود .

إن مقاصد العيش الإنساني تتجدد يوما بعد يوم لمستجدات تظهر كل لحظة في الحياة المعاصرة، والدين الاسلامي معني بشكل أو آخر بمواكبة كافة المستجدات التي تقع؛ لأن المسلمين يتوجب عليهم النهوض بمسؤولية الشهود الحضاري خدمة لديانتهم و انسجاما مع مبادئهم العقدية و الأخلاقية ومساهمة منهم في الفكر الإنساني.. فقد وجب على ضوء هذه التحديات والمتغيرات المعاصرة أن تواكب مقاصد الرسالة الاسلامية كل جديد و تصدق بما هو مشترك انساني يخدم روح الرؤية القرآنية، و تهيمن على انحرافات الحضارة المعاصرة فتصححها ثم ترشدها بناء على مبدأ قرآني توجيهي واضح :"مصدقا لما بين يديه من الكتاب و مهيمنا عليه".

من جهة أخرى، فالسؤال المنهجي والمعرفي المتعلق بمواقع الأزمة ومداخل الاصلاح أصبح متجاوزا ولزم معه أن يتجاوز العقل المسلم محنته وأزمته الذاتية سواء تعلقت تلك الأزمة بالمواضيع التي يشتغل عليها أو حتى بنوعية الأسئلة التي يطرحها ..فسؤال التجديد في كل مجال أمسى ملحا و يطرح نفسه كل حين و يدق كل باب من أبواب حياة المسلم المعاصر، ولا أظن أن الانشغال عنه بمواضيع وقضايا هامشية ينجي كل واقف على حصن من حصون الفكر والثقافة و الفقه الاسلامي.. من أن يتهم بالهروب والانغلاق على نفسه، ورفض التعامل مع التحديات المعاصرة، وهذا أقل شيء، و هنالك طائفة أخرى لها أسئلة وجهود ولكنها غير معفية من محاولة الخروج من السؤال القلق إلى السؤال الناضج، لأن الحاجة الذاتية الأنية تقتضي الترفع والنضج والمطالب الفقهية والفكرية والمعرفية اليومية للأمة ملحة، تتطلب توقفا ونظرة فاحصة، ومنهجا واجتهادا تجديديا والنهوض به من المسؤوليات التعبدية والتاريخية..

إن المأزق الحضاري الإسلامي الذي يتحدث عنه الكثير من المفكرين: منذ محمد ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي